حول المسألة اليهودية
كارل ماركس
-1-
برونوباور: « المسألة اليهودية » براونشفايغ 1843
يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي.
يجيبهم برونو باور (1): ليس ثمة من هو متحرر سياسيا في ألمانيا. نحن أنفسنا لسنا أحرارا، فكيف نستطيع تحريركم؟ أنتم اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أن تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، و كبشر من أجل الانعتاق البشري. و ألا تشعروا أن النوع الخاص لاضطهادكم و لذُلكم استثناء عن القاعدة و إنما هو تأكيد لها.
أم ترى أن اليهود يطالبون بالمساواة مع أبناء الرعية المسيحيين؟ إنهم يعترفون بذلك بشرعية الدولة المسيحية و طبقا لذلك بسلطة الاستعباد العام. لماذا يستهجنون نيرهم الخاص إذا كان النير العام يعجبهم! لماذا ينبغي للألماني أن يهتم بتحرِر اليهود إذا كان اليهودي لا يهتم بتحرير الألماني؟
لا تعرف الدولة المسيحية إلا الامتيازات، و اليهودي يملك فيها امتياز كونه يهوديا. و له كيهودي حقوق ليست للمسيحيين. فلماذا يطالب بحقوق ليست له، يتمتع بها المسيحيون؟
حين يريد اليهودي التحرر من الدولة المسيحية فإنه يطاب أن تتخلى الدولة المسيحية عن حكمها الديني المسبق. فهل يتخلى هو اليهودي عن حكمه الديني المسبق؟ أفيكون من حقه أن يطلب من غيره أن يتخلى عن الدين؟
لا تستطيع الدولة المسيحية تبعا لجوهرها أن تعتق اليهودي، و لكن لا يستطيع اليهودي أيضا من حيث جوهره أن ينعتق، كما يضيف باور. طالما بقيت الدولة مسيحية و اليهودي يهوديا فإِن كليهما على السواء غير قادر على منح التحرر أو تلقيه.
لا تستطيع الدولة المسيحية أن تسلك إزاء اليهود إلا بطريقة الدولة المسيحية، هذا يعني بطريقة منح الامتيازات، أيِ بأن تسمح بتمييز اليهود عن بقية أبناء الرعية، و لكنها تجعله يشعر بضغط المجالات الأخرى المتميزة، و بصورة أشد حين يكون اليهودي في تعارض ديني مع الدين السائد. و لكن اليهودي أيضا لا يستطيع أن يقف من الدولة إلا موقفا يهوديا، هذا يعني أنه يقف من الدولة موقف الغريب، بأن يضع قوميته الوهمية مقابل القومية الحقيقية و يضع قانونه المتوهم مقابل القانون الحقيقي بأن يظن أن من حقه أن يتمايز عن البشرية، بأن يحجم مبدئيا عن المشاركة في الحركة التاريخية، بأن يطمح في مستقبل لا يجمعه بالمستقبل العام. للإنسان شيء، بأن يعتبر نفسه عضوا في الشعب اليهودي و يعتبر الشعب اليهودي الشعب المختار.
إذن فباسم أي شيء تطالبون أيها اليهود بالإنعتاق؟ أمن أجل دينكم؟ إنه الدين الأكثر عداء لدين الدولة. كمواطنين؟ ليس في ألمانيا مواطنون. كبشر؟ لستم بشرا، شأنكم شأن من توجهون إليهم نداءكم.
طرح باور مسألة تحرر اليهود طرحا جديدا بعد أن وجه الانتقاد إلى الطروحات و الحلول التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت. إنه يتساءل: ما هي طبيعة اليهودي الذي يريد التحرر و الدولة المسيحية التي يفترض أن تحرره؟ و هو يجيب من خلال نقد للديانة اليهودية، فهو يحلل التناقض بين اليهودية و المسيحية و يوضح جوهر الدولة المسيحية، و كل هذا بشجاعة و وضوح و ظرافة و عمق، بأسلوب يتصف أيضا بالدقة و المتانهَ و الحيوية.
كينا يحل باور إذن المسألة اليهودية؟ وما هي النتيجة؟ إن صياغة مسألة ما تتضمن حلها. و نقد المسألة اليهودية هو جواب عن المسألة اليهودية. الخلاصة هي ما يلي:
علينا أن نحرر أنفسنا قبل أن نكون قادرين على تحرير الآخرين.
أكثر أشكال التناقض بين اليهودي و المسيحي صلابة هو التناقض الديني. كيف يحل المرء تناقضا ما؟ بجعله مستحيلا. وكيف يجعل المرء تناقضا دينيا مستحيلا؟ من خلال إلغاء الدين. و حالما يرى كل من اليهودي و المسيحي دين الآخر مجرد مراحل تطور مختلفة للفكر الإنساني و يتعرفا فيهما على جلدي أفعى سلخهما التاريخ و على الإنسان الذي يمثل الأفعى التي كانت في هذين الجلدين، فلن تكون العلاقة بينهما علاقة دينية و إنما علاقة علمية نقدية و حسب، علاقة إنسانية. يكون العلم وحدتها. أما التناقضات في العلم فيحلها العلم نفسه.
يواجه اليهودي الألماني خاصة انعدام التحرر السياسي بوجه عام و مسيحية الدولة الواضحة. إلا أن المسألة اليهودية تكتسب في رأي باور أهمية عامة مستقلة عن الظروف الألمانية. إنها مسألة علاقة الدين بالدولة و التناقض بين التحيز الديني و التحرر السياسي. يطرح التحرر من الدين كشرط أمام اليهودي الذي يريد أن يتحرر سياسيا والدولة التي ينبغي أن تحرره و تكون نفسها متحررة،على السواء.
يقول المرء حسنا، و يقولها اليهودي نفسه أيضا، إذ لا ينبغي لليهودي أن يحرر كيهودي، و ليس لأنه يهودي، و ليس لأنه يملك مبدأ إنسانيا عاما مصيبا للأخلاق، بل أكثر من ذلك سيتراجع اليهودي خلف المواطن و يكون مواطنا رغم كونه يهوديا و ينبغي أن يبقى يهوديا. هذا يعني أنه يهودي و يبقى يهوديا رغم كونه مواطنا و يعيش في ظروف إنسانية عامة: إن طبيعته اليهودية المحدودة تنتصر دائما و أخيرا على واجباته الإنسانية و السياسية. يبقى الحكم المسبق رغم ذلك بطغيان المبادئ العامة عليها. و لكنها حين تبقى فإنها تطغى على كل ما عداها.
لا يستطيع اليهودي أن يبقى يهوديا في الحياة العامة للدولة إلا سفسطائيا فقط، ظاهريا. و إذا أراد أن يبقى يهوديا سيصبح المظهر المجرد وجوده الجوهري و ينتصر، هذا يعني أن حياته في الدولة تصبح مجرد مظهر أو استثناء مؤقتا للجوهر و القاعدة. (قدرة يهود و مسيحيي اليوم على التحرر الملزمة الحادية و العشرون، ص 57)
لنسمع من ناحية أخرى كيفا يطرح باور مهمة الدولة.
« القد منحتنا فرنسا مؤخرا (مناقشات مجلس النواب في 26 ديسمبر 1840) فيما يتعلق بالمسألة اليهودية – كما تفعل في جميع المسائل السياسية الأخرى على الدوام– مشهد حياة حرة، و لكنها تخرق حريتها في القانون، و هكذا تجعل منه أيضا مظهرا، و من جهة أخرى تنقض قانونها الحر من خلال الفعل. » (المسألة اليهودية، ص 57).
« لم تصبح الحرية العامة في فرنسا قانونا بعد، و لم تحل المسألة اليهودية أيضا، لأن الحرية القانونية – التي يتساوى فيها جميع المواطنين – في الحياة التي تسيطر عليها وتقسمها الامتيازات الدينية تصبح محددة، و انعدام حرية الحياة هذا ينعكس في القانون الذي يرغم بدور على الموافقة على تقسيم المواطنين الأحرار إلى مضطَهَدين ومضطهِدين » (ص 65).
و إذن فمتى ستحل المسألة اليهودية بالنسبة لفرنسا؟
« يجب أن يكون اليهودي على سبيل المثال قد كف عن يكون يهوديا، حين لا يدع قانونه يعيقه عن اداء واجباته إزاء الدولة و شركائه في المواطنة، أي أن يذهب مثلا في يوم السبت إلى مجلس النواب ويشارك في المناقشات العامة. يجب إلغاء كل الامتيازات الدينية بشكل عام بما في ذلك أيضا احتكار كنيسة ذات امتيازات خاصة، و إذا كان البعض أو العديدون أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فينبغي أن يترك ذلك لهم كمسألة شخصية بحتة. » (ص 65)
« لا يعود ثمة دين حين لا يعود ثمة دين يتمتع بالامتيازات. خذوا الدين قوته المميزة له فلا يعود له وجود. » (ص 66)
« حسنا، فكما رأى السيد مارتان دي نور في اقتراح عدم ذكر يوم الأحد في القانون طلب الإعلان بأن المسيحية كفت عن الوجود، فإِنه بنفس الحق (و هذا الحق مبرر تماما) سيكون الإعلان بأن قانون السبت لليهود لم يعد ملزما، سيكون إعلان حل اليهودية. (ص 71)
و هكذا يطلب باور أن يتخلى اليهودي عن يهوديته و الإنسان بوجه عام عن الدين من جهة، ليتحرر كمواطن. و من جهة أخرى يعتبر الإلغاء السياسي للدين كتبعة لذلك إلغاء للدين بشكل عام. إن الدولة التي تشترط الدين لم تصبح بعد دولة حقيقية، دولة واقعية.
« إلا أن التصور الديني يعطي للدولة ضمانات. و لكن أي دولة؟ أي نوع من الدول؟ » (ص 97)
في هذه النقطة يظهر المفهوم أحادي الجانب للمسألة اليهودية.
لا يكفي بأية حال من الأحوال أن نبحث: من الذي سيقوم بالتحرِر و من الذي سيحرر؟ فعلى النقد أن يقوم بشيء ثالث. عليه أن يسأل: بأي نوع من التحرر يتعلق الامر؟ أي شروط تقع في صلب التحرر المطلوب؟ لقد كان نقد التحرر السياسي نفسه هو النقد النهائي للمسألة اليهودية و ذوبانها الحقيقي في مسألة العصر العامة.
و لأن باور لم يرفع المسألة إلى هذا المستوى فإنه يسقط في التناقضات. إنه يضع شروطا لا تنتمي إلى طبيعة التحرر السياسي نفسه. و هو يطرح أسئلة لا تدخل ضمن واجباته، و يحل واجبات تترك سؤاله غير محلول. حين يقول باور عن مناهضي تحرر اليهود: « كان خطؤهم فقط هو أنهم افترضوا أن الدولة المسيحية هي الدولة الحقيقية الوحيدة، و لم يخضعوها للنقد الذي نظروا به إلى اليهودية » (ص3)، فإننا نرى خطأ باور في أنه انتقد الدولة المسيحية وحدها و ليس الدولة بوجه عام، و أنه لم يتناول بالبحث العلاقة بين التحرر السياسي و التَحرر الإنساني و يضع بذلك شروطا لا يمكن تفسيرها إلا بخلط غير نقدي بين التحرر السياسي و التحرر الإنساني العام. حين يسأل باور اليهود: هل لديكم الحق و أنتم في موقفكم أن تطلبوا التحرر السياسي؟ فإِننا نطرح السؤال المعاكس: هل لموقف التحرر السياسي الحق في أن يطلب من اليهود التخلي عن اليهودية و من الناس التخلي عن الدين بوجه عام؟
تكتسب المسألة اليهودية مفهوما متغيرا حسب الدولة التي يوجد اليهودي فيها. ففي ألمانيا حيث لا توجد دولة سياسية، أي لا توجد الدولة كدولة، فإن المسألة اليهودية هي مسألة لاهوتية محضة. يجد اليهودي نفسه في تناقض ديني مع الدولة التي تقر بأن المسيحية تشكل أساسها. هذه الدولة هي دولة لاهوتية محترفة. و النقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي و للاهوت اليهودي. و لكننا لا زلنا بهذا نتحرك في اللاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقديا.
المسألة اليهودية في فرنسا، الدولة الدستورية، هي مسألة النظام الدستوري، مسألة نصف التحرر السياسي. لأن مظهر الدولة الدينية هنا باق، و إن كان في صيغة متناقضة تفتقر إلى الدلالة، في صيغة دين الأغلبية، فإن علاقة اليهودي بالدولة تتخذ مظهر تناقض ديني لاهوتي.
تفقد المسالة اليهودية معناها اللاهوتي و تصبح مسألة دنيوية حقا في الدول الأميركية الشمالية الحرة فقط، في قسم منها على الأقل. حيثما توجد الدولة السياسية في بنائها الكامل فقط يمكن أن تبرز علاقة الِيهودي و لإنسان المتدين بوجه عام، إزاء الدولة السياسية، أي علاقة الدين بالدولة، في خصوصيتها ونقائها. و يكف نقد هذه العلاقة أن يكون نقدا لاهوتيا حالما تكف الدولة عن أن تقف موقفا لاهوتيا من الدين, أي سياسيا. عندئذ يصبح النقد نقد الدولة السياسية. عند هذه النقطة حيث تكف المسألة أن تكون لاهوتية يكف نقد باور أن يكون نقديا.
« لا يوجد في الولايات المتحدة لا دين للدولة و لا دين رسمي للأغلبية، و لا أفضلية عبادة على غيرها. و ليس للدولة شأن بأي من العبادات. » (ماري، أو الرق في الولايات المتحدة الخ، ج. دي بومون، باريس 1835، ص 214)
نعم، توجد بعض الولايات الأميركية حيث « لا يجعل الدستور العقيدة الدينية أو ممارسة عبادة معينة شرطا للامتيازات السياسية » (المرجع السابق، ص 225)
و لكن « لا يعتقد المرء في الولايات المتحدة أن الإنسان يمكن أن يِكون إنسانا مستقيما دون دين » (نفس المصدر، ص 224)
و مع ذلك فإِن شمال أميركا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون و توكفيل و الانكليزي هاملتون بالإجماع. الولايات الأميركية الشمالية هي بالنسبة لنا مجرد مثال. فالسؤال هو:ما هو موقف التحرر السياسي الكامل من الدين؟ المسألة هي: كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين؟ فإِذا كنا نجد حتى في بلد التحرر السياسي الكامل ليس وجود الدين و حسب و إنما وجود الدين المفعم بالحياة و القوة أيضا، يكون الدليل قد قدم على أن وجود الدين لا يتعارض مع قيام الدولة الكاملة. و لكن لأن وجود الدين هو وجود لنقص، فإن مصدر هذا النقص لا يمكن أن يبحث عنه إلا في جوهر الدولة نفسه. لا يعود الدين بالنسبة لنا هو الأساس و إنما كظاهرة للمحدودية الدنيوية و حسب. و من هنا فإننا نفسر اللاموضوعية الدينية للمواطنين الأحرار بلاموضوعيتهم الدنيوية. لا ندعي أن عليهم أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية. بل نزعم أنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية. إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، و إنما اللاهوتية إلى دنيوية. نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتا كافيا في الغيبيات. تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري. إننا ننتقد الضعف الديني للدولة السياسية حين ننتقد الدولة السياسية في بنيتها الدنيوية بصرف النظر عن الضعف الديني. إننا نؤنسن تناقض الدولة مع دين معين، كاليهودية مثلا، في التناقض بين الدولة و عناصر دنيوية معينة و التناقض بين الدولة و الدين بوجه عام، في التناقض بين الدولة وشروطها بوجه عام.
التحرر السياسي لليهودي و المسيحي و الإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية و المسيحية و من الدين بوجه عام. تتحرر الدولة في شكلها، الذي يتضمن جوهرها الخاص كدولة، من الدين بتحررها من دين الدولة، هذا يعني بعدم إقرار الدولة كدولة بدين، بل بإِقرارها بكونها دولة. ليس التحرر السياسي من الدين هو التحرر من الدين المطبق و الخالي من التناقضات، لأن التحرر السياسي ليس الأسلوب المطبق و الخالي من التناقضات للتحرر البشري.
تبدو حدود التحرر السياسي في الحال في قدرة الدولة على تحرير نفسها من حاجز لا يكون الإنسان متحررا منه فعلا، و في أن الدولة يمكن أن تكون دولة حرة [تلاعب لفظي على كلمة Freistaat التي تعني أيضا جمهورية] دون أن يكون الإنسان حرا. يعترف باور نفسه بذلك ضمنا حين يضع الشرط التالي للتحرر السياسي:
«يجب إلغاء كل امتياز ديني بوجه عام بما في ذلك احتكار كنسية تتمتع بالامتيازات، و إذا كان البعض أو العديد أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فإِن هذا الأداء مسألة خاصة تماما متروكة لها.»
و هكذا يمكن للدولة أن تكون قد انعتقت من الدين، حتى حين تكون الغالبية العظمى متدينة. و لا تكف الغالبية العظمى من خلال ذلك أن تكون متدينة، أن تكون متدينة في حياتها الخاصة.
و لكن موقف الدولة و الجمهورية [Freistaat] خاصة من الدين، إنما هو موقف الناس الذين يشكلون الدولة من الدين و حسب. و الخلاصة هي أن الإنسان من خلال الوسيط الذي هو الدولة يتحرر سياسيا من حاجز بأن يرتفع فوق هذا الحاجز بطريقة تجريدية و محدودة و جزئية متناقضا مع نفسه. و أبعد من هذا أن الإنسان يتحرر بتحرره سياسيا، بطريقة غير مباشرة من خلال وسيط، و لو كان هذا الوسيط ضروريا. و أخيرا يبقى الإنسان حتى حين يعلن إلحاده بوساطة الدولة، هذا يعني حين يعلن إلحاد الدولة، يبقى مع ذلك متحيزا للدين، ذلك أنه يعترف بنفسه بطريقة غير مباشرة، من خلال وسيط فقط. فالدين هو الاعتراف بالإنسان بطريقة غير مباشرة، عبر وسيط. الدولة هي الوسيط بين الإنسان و حريته، فكما أن المسيح وسيط يحمله الإنسان كل ألوهيته، كل تحيزه الديني فإِن الدولة هي الوسيط الذي يضع فيه كل بشريته و كل تحيزه البشري.
يشترك ارتقاء الإنسان السياسي فوق الدين مع الإرتقاء السياسي بكل النقائص و الفضائل بوجه عام. فقد تلغي الدولة كدولة الملكية الخاصة على سبيل المثال، فيعلن الفرد بطريقة سياسية أن الملكية الفردية قد ألغيت، حالما يجعل التعداد العام أساسا لقابلية المرء أن يُنتخَب أو ينتخِب، كما حصل في عدد كبير من ولايات أميركا الشمالية. يفسر هاملتون هذه الواقعة من منطلق سياسي تفسيرا صحيحا تماما:
«القد حققت العامة الانتصار على المالكين و الثروة النقدية.» (توماس هيملتون الناس و التصرفات في أمريكا, مجلد 2, ايدنبرغ, 1833, ص 146)
أليست الملكية الخاصة في وضع نموذجي حين يكون من لا يملك قد أصبح المشرع للمالك؟ و التعداد العام هو آخر شكل سياسي يمكن أن يعترف بالملكية الخاصة.
إلا أنه مع النفي السياسي للملكية الخاصة لا ينتفي إلغاء الملكية الخاصة فقط و إنما يصبح شرطا. تلغي الدولة فرق الأصل و المكانة الاجتماعية و المهنة بطريقتها حين تقرر أن الأصل و المكانة الاجتماعية و المهنة هي فوارق غير سياسية، و حين تعلن دون مراعاة لهذه الفوارق عن كون كل فرد من أفراد الشعب مشاركا متساويا في السيادة الشعبية إذا ما تعامل مع جميع عناصر حياة الشعب الحقيقية من وجهة نظر الدولة. و مع ذلك تترك الدولة الملكية الخاصة و التأهيل و العمل تؤثر على طريقتها الخاصة، هذا يعني كملكية خاصة و تأهيل و عمل، مؤكدة طبيعتها الخاصة. إنها بعيدة كل البعد عن إلغاء هذه الفوارق، بل أنها توجد فقط في ظل هذه الشروط، و تشعر أنها دولة سياسية و تجعل عموميتها نافذة في مواجهة عناصرها هذه. و من هنا فإن هيغل يحدد العلاقة بين الدولة السياسية و الدين تحديدا صحيحا تاما حين يقول:
«كي تقوم الدولة كواقع واع و أخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة و العقيدة. و لكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة بوقوفها فوق الكنائس الخاصة شمولية الفكر و مبدأ شكلها الذي تظهره للوجود.» (هيغل فلسفة الحق الطبعة الأولى، ص 346).
حقا تتشكل الدولة هكذا فقط مرتفعة فوق العناصر الخاصة كمؤسسة للمجموع.
الدولة السياسية المكتملة طبقا لطبيعتها هي حياة النوع الإنساني على العكس من حياته المادية. فجميع الشروط لهذه الحياة الأنانية تبقى موجودة في المجتمع البورجوازي خارج مجال الدولة، و لكن كخصائص لهذا المجتمع. فحيثما بلغت الدولة نموها الحقيقي يعيث الإنسان حياة ْمزدوجة ليس فقط في الفكر أو الوعي و إنما في الواقع، في الحياة، حياة سماوية و أخرى أرضية، الحياة في المجتمع السياسي حيث يعتبر نفسه كائنا عاما و الحياة في المجتمع البورجوازي، حيث يمارس حياته الخاصة، و يعتبر الآخرين وسيلة، و يتحول نفسه إلى وسيلة و لعبة في أيدي قوى غريبة. و تقف الدولة السياسية إزاء المجتمع البورجوازي بمثل روحانية السماء إزاء الأرض. إنها تقف في نفس التناقض معه و تتغلب عليه بنفس الطريقة التي يتغلب بها الدين على محدودية العالم الدنيوي. هذا يعني بأن تعترف به أيضا، تنشئه، و تصبح خاضعة له. الإنسان في واقعه الأكثر مباشرة في المجتمع البورجوازي هو كائن دنيوي. هنا حيا يعتبر بالنسبة لذاته و للآخرين فردا يكون ظاهرة غير حقيقية. و على العكس في الدولة حيث يعتبر الإنسان نوعا يكون العضو الخيالي لسيادة وهمية، و تسرق منه حياته الفردية الحقيقية و تملأ بجماعية غير واقعية.
إن الصراع الذي يجد الإنسان نفسه فيه كمعتنق لدين خاص و مواطن لدولة مع الناس الآخرين كأعضاء في المجتمع، يتقلص إلى الانشطار الدنيوي بين الدولة السياسية و المجتمع المدني. «فالحياة في ظل الدولة بالنسبة للإنسان البورجوازي [هنا بمعنى عضو من المجتمع المدني, الحياة الخاصة] هي مجرد مظهر أو استثناء مؤقت يتعارض مع الجوهر و القواعد.»
حقا أن البورجوازي يبقى في حياة الدولة مثل اليهودي بصورة سفسطائية، كما يبقى المواطن بصورة سفسطائية يهوديا أو بورجوازيا. لكن هذه السفسطة ليست شخصية. إنها سفسطة الدولة السياسية نفسها. الفرق بين الإنسان المتدين و المواطن هو الفرق بين التاجر و بين المواطن، بين العامل بأجر يومي و المواطن، بين المالك العقاري و المواطن، بين الفرد الحي و المواطن. و التناقض الذي يقوم بين الإنسان المتدين و الإنسان السياسي هو التناقض نفسه الذي يقوم بين البورجوازي و المواطن، بين عضو المجتمع البورجوازي و جلد الأسد السياسي الذي يرتديه.
هذا النزاع الدنيوي الذي تنحصر فيه المسألة اليهودية في الآخر،علاقة الدولة السياسية بشروطها، سواء كانت هذه عناصر مادية مثل الملكية الخاصة و ما إلى ذلك، أو فكرية مثل التعليم و الدين، الصراع بين المصالح العامة و المصلحة الخاصة، الانشطار بين الدولة السياسية و المجتمع البورجوازي، يترك باور هذه التناقضات الدنيوية قائمة، بينما يطعن في التعبير الديني عنها.
« إن أساسها بالذات، الحاجة التي تؤمّن للمجتمع المدني بقاءه و تضمن ضرورته، يعرض وجوده لخطر دائم، و يغذي في داخله عنصرا غير مأمون، و يأتي بذلك الخليط المتناوب من الفقر و الغنى، من العوز و الازدهار و بشكل عام التغير. » (ص
يقارن المرء مقطع «المجتمع المدني» بكامله (ص 8-9) ، و الذي صيغ وفق الملامح الأساسية لفلسفة الحق لدى هيغل. يعترف بالمجتمع المدني في تناقضه مع الدولة السياسية كضرورة، لأن الدولة السياسية معترف بها كضرورة.
التحرر السياسي خطوة تقدمية كبير حقا، و رغم أنها ليست الشكل الأخير للتحرر الإنساني بشكل عام لكنها الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن النظام العالي القائم حتى الآن. نحن نتحدث هنا بالطبع عن التحرر الحقيقي، العملي.
يتحرر الإنسان سياسيا من الدين بإِقصائه من الحق العام إلى الحق الخاص. إنه لا يعود روح الدولة، حيث يتصرف الإنسان – و لو بطريقة محدودة و ضمن شكل خاص و في مجال خاص – ككائن نوعي، بالاشتراك مع الناس الآخرين، و إنما يكون قد أصبح روح المجتمع البورجوازي و مجال الأنانية و حدب الجميع ضد الجميع. إنه لم يعد جوهر المجموع و إنما جوهر الاختلاف. و أصبح تعبيرا عن انفصال الإنسان عن طبيعته الاجتماعية، بينه و بين الناس الآخرين – و هو ما كانه في الأصل. إنه لم يعد سوى الاعتراف المجرد بالخطأ الخاص و النزوة الشخصية و الاعتباطية. أن التشظي اللانهائي للدين في أميركا الشمالية مثلا يعطيه ظاهريا شكل قضية خاصة محضة. لقد ألقي به في عداد الاهتمامات الخاصة و هجر كموضوع عام من قبل الجماعة. و لكن لا ينبغي أن يعترينا الوهم بشأن حدود التحرر السياسي. إن انشطار الإنسان إلى إنسان عام وآخر خاص و نقل الدين من الدولة إلى المجتمع البورجوازي، ليسا مرحلة و إنما هما اكتمال التحرر السياسي الذي لا يلغي التدين الحقيقي للإنسان كما لا يسعى لإلغائه.
أن تفكيك الإنسان إلى يهودي و مواطن، إلى بروتستانتي و مواطن، إلى إنسان متدين و مواطن، هذا التفكيك ليس كذبة ضد المواطن، و لا التفافا على التحرر السياسي، إنه التحرر السياسي نفسه. إنه الطريقة السياسية للتحرر من الدين. تستطيع الدولة بلا شك و يتوجب عليها في الفترات التي تولد فيها الدولة السياسية من المجتمع البورجوازي بالقوة و يسعى التحرر البشري أن يحقق نفسه في صورة التحرر السياسي، أن تمضي حتى إلغاء الدين، حتى القضاء على الدين، و لكن تمضي على هذا النحو فقط إلى أبعد حد كما تفعل لإلغاء الملكية الخاصة، إلى المصادرة، إلى الضرائب التصاعدية، كما تمضي إلى إلغاء الحياة، إلى المقصلة. وفي اللحظات الخاصة من إحساسها بذاتها تبحث الحياة السياسية عن شروطها، فتحاول سحق المجتمع البورجوازي و عناصره لتقيم نفسها كحياة للنوع الإنساني، حقيقية و خالية من التناقض. إنها تستطيع هذا فقط من خلال تناقض عنيف مع شروط حياتها الخاصة، فقط بأن تعلن أن الثورة مستديمة فتنتهي المأساة السياسية من هنا بالضرورة كذلك بإِعادة الدين و الملكية الخاصة و جميع عناصر المجتمع البورجوازي، كما تنتهي الحرب بالسلام.
أجل، ليست الدولة المسماة مسيحية، التي تعترف بالمسيحية كأساس لها و كدين للدولة و تميز نفسها بهذا عن الديانات الأخرى هي الدولة المسيحية الكاملة، و إنما الدولة الملحدة، الدولة الديمقراطية، الدولة التي تضع الدين ضمن باقي عناصر المجتمع البورجوازي. لم تنجح بعد الدولة التي لا تزال لاهوتية و التي تقر باعتناق المسيحية بصورة رسمية، التي لا تجرؤ بعد على إعلان نفسها كدولة، لم تنجح هذه الدولة بعد في التعبير عن الأساس البشري في شكل دنيوي بشري، تكوك المسيحية التعبير الدافق عنه. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو ببساطة اللادولة، إذ لا تستطيع المسيحية كدين و إنما الخلفية البشرية للدين المسيحي فقط أن تطرح نفسها في إبداعات إنسانية حقيقية.
إن ما يسمى بالدولة المسيحية إنما هو النفي المسيحي للدولة، و لكنه ليس تحقيقا للمسيحية من قبل الدولة بأي حال من الأحوال. الدولة التي لا تزال تقر بالمسيحية على شكل دين، لا تقر بها على شكل دولة، فهي لا تسلك سلوكا متدينا إزاء الدين، هذا يعني إنها ليس التحقيق الفعلي للأساس الإنساني، لأنها لا تزال تقود إلى الوهم، إلى الهيئة الخيالية لهذه النواة الإنسانية. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو الدولة غير المكتملة، و الدين بالنسبة لها تكملة و علاج لنقصها. من هنا يصبح الدين بالنسبة لها بالضرورة وسيلة، و هي دولة النفاق. إنه لفرق كبير فيما إذا اعتبرت الدولة المكتملة الدين ضمن شروطها بسبب نقص يكمن في الطبيعة العامة للدولة، أو أعلنت الدولة غير الكاملة بسبب النقص الذي يكمن في وجودها الخاص كدولة ناقصة الدين كأساس لها. و يصبح الدين في الحالة الأخيرة سياسة غير كاملة. و في الحالة الأولى يظهر نقص السياسة الكاملة في الدين. يحتاج ما يسمى بالدولة المسيحية إلى الدين المسيحي ليكتمل كدولة.
أما الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية فهي لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي. و أكثر من ذلك فهي تستطيع أن تطرح جوانب كثيرة من الدين لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية. و على العكس يقف ما يسمى بالدولة المسيحية موقفا سياسيا إزاء الدين و دينيا إزاء السياسة. و حين تحط هذه الدولة من الأشكال السياسية ظاهريا فإِنها تحط من الدين ظاهريا بنفس القدر.
لنتفحص من أجل توضيح هذا التناقض البناء الذي يطرحه باور للدولة المسيحية، و هو بناء منبثق عن دراسة الدولة المسيحية الجرمانية.
يقول باور «من أجل إثبات عدم إمكانية أو عدم وجود الدولة المسيحية نبه المرء أكثر من مرة مؤخرا إلى أقوال الإنجيل، تلك التي لا تمتنع الدولة عن العمل بها و حسب و إنما لا تستطيع حتى العمل بها إذا لم تحل نفسها نهائيا.»
لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فبم تطالب تلك الأقوال الإنجيلية؟ إنكار الذات فوق الطبيعي، خضوع لسلطة الوحي، العزوف عن الدولة، إلغاء العلاقات الدن